Khalood624
07-14-2006, 01:43 AM
قصة خلق النخلة ونسبها لآدم عليه السلام
إعداد/ علي حشيش
الحلقة الحادية والسبعون
نواصل في هذا التحذير تقديم البحوث العلمية الحديثية للقارئ الكريم حتى يقف على حقيقة هذه القصة والتي حاول أحد الدعاة أن يجعل من هذه القصة بين النخلة وبين آدم نسبًا، وهذه القصة بنيت عليها الندوة التي عقدت في أحد المساجد المشهورة ونشرتها جريدة المساء في عددها (14080) في الصفحة السادسة، وإلى القارئ الكريم نص ما نشر عن القصة:
«كشفت ندوة دينية عن أسرار جديدة في عالم النخل، تبين أن النخلة خلقها اللَّه عز وجل من بقية طينة آدم عليه السلام، وقال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكرموا عماتكم النخل، وإنما سماها عماتنا لأنها خلقت من فضلة طينة آدم». ثم أوضح الداعية أن النخلة هي «الإنسان» لأنها خلقت من فضلة طينة آدم عليه السلام أو أنها تشبه الإنسان من حيث استقامة قدها، وطولها، وامتياز ذكرها عن أنثاها، واختصاصها باللقاح وكذلك لو قطع رأسها لهلكت، ولطلعها رائحة الحيوان المنوي، ولها غلاف كالمشيمة التي يكون الولد فيها، والجمار الذي على رأسها لو أصابه آفة هلكت النخل مثل مخ الإنسان تمامًا، ولو قطع منها غصن لا يرجع بدله كعضو الإنسان تمامًا...». اهـ.
قلت: ولقد استمرت الجريدة في نقل كلام الشيخ في الندوة الدينية والتي اعتبرته كشفًا علميًا من أسرار جديدة في عالم النخل بناءً على قصة نسب النخلة لآدم عليه السلام.
وإلى القارئ الكريم تخريج وتحقيق قصة خلق النخلة ونسبها لآدم عليه السلام:
أولاً: القصة
من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
1- رُوي عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكرموا عمتكم النخلة فإنها خُلقت من فضلة طينة أبيكم آدم، وليس من الشجر شجرة تلقح غيرها، وليس من الشجر شجرة أكرم على اللَّه من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران، فأطعموا نساءكم الوُلَّد الرُّطب، فإن لم يكن الرطب فالتمر».
2- التخريج:
أخرج حديث قصة خلق النخلة أبو يعلى في «مسنده» (1/353) (ح455)، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» (4/256- ت1853)، وابن عدي في «الكامل في ضعفاء الرجال» (6/431)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (1/184)، وأبو نعيم في «الحلية» (6/123) كلهم من طريق مسرور بن سعيد التميمي عن الأوزاعي، عن عروة بن رويم عن علي بن أبي طالب مرفوعًا.
3- التحقيق:
أ- هذا الطريق الذي جاءت به قصة خلق النخلة طريق غريب حيث قال أبو نعيم في «الحلية» (6/23): «غريب من حديث الأوزاعي عن عروة تفرد به مسرور بن سعيد».
ب- وقال العقيلي في «الضعفاء الكبير» (4/256/1853): «مسرور بن سعيد عن الأوزاعي، حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به».
جـ- قال ابن عدي في «الكامل في ضعفاء الرجال» (6/431): «مسرور بن سعيد التميمي منكر الحديث». اهـ.
ثم أخرج حديث القصة ثم قال معقبًا: «وهذا حديث عن الأوزاعي منكر، وعروة بن رويم عن علي ليس بالمتصل ومسرور بن سعيد غير معروف لم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث». اهـ.
قلت: هكذا بين الإمام الحافظ أبو أحمد عبد اللَّه بن عدي علل الحديث من النكارة والانقطاع والجهالة والتي بها تصبح قصة خلق النخلة ونسبها واهية.
د- قال الإمام الحافظ ابن حبان في كتابه «المجروحين» (3/44): «مسرور بن سعيد التميمي: يروي عن الأوزاعي المناكير التي لا يجوز الاحتجاج بمن يرويها». اهـ.
هـ- قال الإمام ابن الجوزي في «الموضوعات» (1/184): «هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحديث على تفرد به مسرور، قال ابن عدي غير معروف وهو منكر الحديث»، ثم نقل قول ابن حبان وأقره.
وإلى القارئ الكريم الطريق الثاني للقصة:
ثانيًا: قصة خلق النخلة من حديث ابن عمر:
1- رُوِيَ عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحسنوا إلى عمتكم النخلة فإن اللَّه خلق آدم ففضل من طينته فخلق منها النخلة».
2- التخريج:
قال ابن عدي في «الكامل» (2/156) (23/348): حدثنا جعفر بن أحمد بن علي بن بيان، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره.
وأخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (1/184) من طريق ابن عدي.
3- التحقيق:
علة حديث ابن عمر في خلق النخلة جعفر بن أحمد بن علي بن بيان بن زيد بن سيابة قال الإمام ابن عدي في «الكامل» (2/156): «حدثنا جعفر بن أحمد أبو الفضل الغافقي مصري يعرف بابن أبي العلاء عن أبي صالح كاتب الليث وغيره بأحاديث موضوعة، وكنا نتهمه بوضعها بل نتيقن في ذلك». اهـ.
قلت: ثم أخرج له حديثين أحدهما حديث قصة خلق النخلة ونسبها.
ثم قال: «هذان الحديثان بإسناديهما موضوعان ولا شك أن جعفرًا وضعهما». اهـ.
ثم ختم ترجمته بقوله: «وعامة أحاديثه موضوعة وكان قليل الحياء في دعاويه على قوم لعله لم يلحقهم ووضع مثل هذه الأحاديث». اهـ.
وأقر هذا الحافظ ابن حجر في «اللسان» (2/137) (96/1963)، ونقل عن أبي سعيد النقاش أن جعفرًا هذا: «حدث بموضوعات».
وقال الدارقطني: «جعفر لا يساوي شيئًا». اهـ.
وبهذا التحقيق لقصة خلق النخلة من حديث ابن عمر تبين أن الحديث موضوع وهو الكذب المختلق المصنوع المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
فهذا الطريق لا يصلح للمتابعات ولا الشواهد، بل يزيد القصة وهنًا على وهن كما هو مقرر عند أهل الفن.
وإلى القارئ الكريم الطريق الثالث للقصة:
ثالثًا: قصة خلق النخلة من حديث أبي سعيد الخدري:
أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» كما في «اللآلئ» (1/156) من حديث أبي سعيد الخدري قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مِمَّ خلقت النخلة ؟ قال: «خلقت النخلة والرمان والعنب من فضل طينة آدم عليه السلام». ولم يذكر السيوطي سنده.
فقال المعلمي اليماني في تحقيقه لكتاب «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» (ص490): «لم يسق في «اللآلئ» سنده ولن يكون إلا ساقطًا».
قلت: «وما قاله المعلمي اليماني هو الحق، حيث أكده الشيخ الألباني في «الضعيفة» (1/282) (ح262) فساق سنده عن ابن عساكر في «تاريخه» (2/309/2) عن الحاكم بن عبد اللَّه الكلبي أبي سالم من أهل قزوين، عن يحيى بن سعيد البحراني من أهل غطيف، عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مم خلقت النخلة ؟ فذكره، ثم قال: وهذا إسناد ضعيف جدًا وأبو هارون العبدي اسمه عمارة بن جوين وهو متروك ومنهم من كذبه كما في «التقريب». اهـ.
أ- قلت: وفي «الميزان» (3/173/6018) عمارة بن جوين كذبه حماد بن زيد وقال شعبة: «لأن أقدَّم فتضرب عنقي أحبّ إليّ من أن أحدث عن أبي هارون».
ب- وقال الجوزجاني: أبو هارون كذاب مفتر.
جـ- قال النسائي في «الضعفاء والمتروكين» (ت/476): «عمارة بن جوين أبو هارون العبدي متروك الحديث بصري».
قلت: وهذا المصطلح عند النسائي له مدلوله حيث قال الحافظ في «شرح النخبة» (ص69): «ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه».
د- قال ابن حبان في «المجروحين» (2/177): «عمارة بن جوين أبو هارون العبدي كان رافضيًا يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب».
قلت: وحاولت أن أذكر طرق الحديث مبينًا درجة ضعفها حتى لا يُقال: إن الحديث الضعيف إذا جاء من عدة طرق قوى بعضها بعضًا، ولا يدرى أن هذا ليس على إطلاقه كما هو مبين من قول الحافظ ابن كثير في «اختصار علوم الحديث» (ص16).
قال الشيخ أبو عمرو: «لا يلزم من دور الحديث من طرق متعددة أن يكون حسنًا لأن الضعيف يتفاوت فمنه ما لا يزول بالمتابعات يعني لا يؤثر كونه تابعًا أو متبوعًا كرواية الكذابين والمتروكين».
قلت: وهذه القاعدة الحديثية تنطبق على حديث قصة خلق النخلة ونسبها لآدم فطرقها كما بينا آنفًا لا تخلو من وضاع أو متروك أو كذاب.
وكم لهذه الأحاديث الموضوعة والقصص الواهية من الأثر السيئ حتى اعتبرتها الصحف أنها كشف جديد في عالم النخل لثقتهم بالشيخ ومكانته الإدارية، حيث أخذ الشيخ يربط بين النخلة والإنسان من النواحي الخلقية والشكلية.
ومثل هذه الأحاديث المكذوبة والتي بها قصص الخلق ولا يعرف الكثير درجتها ويروجونها في الندوات وتنشرها الصحف تفتح بابًا للطعن في الإسلام، حيث أثبتت البحوث العلمية الحديثة بحقائق علمية ترى رأي العين أن الله أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
فكل خلية تحت المجاهر المكبرة تشهد بأن لكل مخلوق خلقه من كرومسومات (الأمشاج) وعليها جينات، ولا يشاركها فيها كائن آخر، فلكل كائن جيناته التي أعطاها الله سبحانه: http://www.altawhed.com/Images/BRAKET_R.GIFربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدىhttp://www.altawhed.com/Images/BRAKET_L.GIF [طه: 50]، http://www.altawhed.com/Images/BRAKET_R.GIFسبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمونhttp://www.altawhed.com/Images/BRAKET_L.GIF [يس: 36]، http://www.altawhed.com/Images/BRAKET_R.GIFومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرونhttp://www.altawhed.com/Images/BRAKET_L.GIF [الذاريات: 49].
فعلوم الكشف عن سنن اللَّه الكونية تشهد بحقائقها العلمية لهذه الآيات القرآنية ولا يمكن لحقيقة علمية من سنن اللَّه الكونية في آياته في الآفاق أن تصطدم بآية قرآنية لقوله تعالى: http://www.altawhed.com/Images/BRAKET_R.GIFسنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيدhttp://www.altawhed.com/Images/BRAKET_L.GIF [فصلت: 53].
فالخلق خلقه والأمر أمره، قال تعالى: http://www.altawhed.com/Images/BRAKET_R.GIFألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمينhttp://www.altawhed.com/Images/BRAKET_L.GIF [الأعراف:54].
منشأ التعارض وأثره السيئ
ينشأ المتعارض من أمرين:
الأول: ينشأ التعارض من أن يعتقد الإنسان أن الأمر حقيقة دينية، وهو ليس بحقيقة دينية فيصطدم مع الحقائق العلمية الكونية من سنن اللَّه الكونية والتي يراها الإنسان في الآفاق شاهدة الشمس في ضحاها كالاعتقاد بأن النخلة عمة الإنسان لأنها خلقت عن بقية طينة آدم وأثبتنا آنفًا أنها قصة مكذوبة منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
فتصطدم مع الحقيقة العلمية في سنن اللَّه الكونية في خلقه والتي أعطى اللَّه فيها خلايا النخل خلقها، وأعطى سبحانه خلايا الإنسان خلقها من كرومسومات (الأمشاج) وما عليها من جينات، كما هو مقرر عند علماء الخلية وما بها من آيات تشهد بتوحيد الربوبية ولازمها توحيد الألوهية.
الثاني: ينشأ التعارض من أن يعتقد الإنسان أن الأمر حقيقة علمية فيجزم بنسبة غير واقعة كتعلق دارون بالمظاهر الخارجية للقرد وربط بين هذه المظاهر وبنى بهواه نظريته الخاطئة في التطور لأن اللَّه لم يشأ يومها أن توجد المجاهر وعلم الخلية التي يرى آيات اللَّه في خلايا الكائنات فبنى نظريته على جهل فعارض خلق اللَّه لآدم عليه السلام في الآيات القرآنية.
الأثر السيئ:
اعتقد الشيخ محمد عبده عفا اللَّه عنا وعنه في العلاقة والتطورية بين القرد والإنسان وتوهم أن نظرية دروان في التطور حقيقة علمية فقال: «إن قصة آدم في القرآن تمثيل».
ولقد وقف شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود رحمه اللَّه في قاعة الإمام محمد عبده في المحاضرة التي ألقاها في 27 مارس 1962 وحضرها عمداء الكليات بمصر وغيرها وعميد كلية الزيتونة وكان مما قاله في هذه المحاضرة: «إننا جميعًا نُجلُّ الشيخ محمد عبده ونحترمه وندين له بكثير من تخليص الدين من الخرافات والأساطير ولكن حين نقرأ له تفسير قصة آدم فنجده يقول: بأنها تمثيل. نتساءل: لماذا اتجه الشيخ محمد عبده هذا الاتجاه ؟ لماذا اتجه في قصة آدم إلى أنها تمثيل ؟ حينما نتساءل حقيقة عن السر العميق - في الشعور أو اللاشعور- نجد أن الشيخ محمد عبده رأى أن فكرة التطور منتشرة في جميع أوربا، بل والعالم وهي - فيما يرى - تتعارض مع التعاليم التي تنبئ أن آدم هو أول البشر، وهو الذي خلقه اللَّه وسواه وخاطب الملائكة في شأنه وأمرهم أن يسجدوا له رأى الشيخ محمد عبده أن كل ذلك لا يتلاءم كثيرًا مع فكرة التطور المزعومة فماذا صنع ؟
فقرر بأنها قصة، وأنها تمثيل... وأصبحت فكرة التطور مسيطرة على الكثيرين فانقادوا لها وأدخلوها في المحيط الديني، فأفسدوا كثيرًا من القضايا.
ونعود فنترحم على الشيخ محمد عبده، وإذا كنا ننتقده ونحن نحاضر في قاعته فذلك أننا نعلم أنه رحمه اللَّه كان من سعة الصدر ومن سعة الأفق بحيث لا يضيق بنقد، ونعتقد أنه لا يضيق بنقدنا ولا يقلل هذا من شأنه. اهـ.
قلت: قوله: «وأصبحت فكرة التطور مسيطرة على الكثيرين فانقادوا لها وأدخلوها في المحيط الديني، فأفسدوا كثيرًا من القضايا».
قلت: نعم تحت ما يسمى بتطوير الخطاب الديني وتطوير الأذان فمن لها اليوم في قاعة الإمام، ليسمع الآذان، والله المستعان.
هذا ما وفقني اللَّه إليه وهو وحده من وراء القصد.
إعداد/ علي حشيش
الحلقة الحادية والسبعون
نواصل في هذا التحذير تقديم البحوث العلمية الحديثية للقارئ الكريم حتى يقف على حقيقة هذه القصة والتي حاول أحد الدعاة أن يجعل من هذه القصة بين النخلة وبين آدم نسبًا، وهذه القصة بنيت عليها الندوة التي عقدت في أحد المساجد المشهورة ونشرتها جريدة المساء في عددها (14080) في الصفحة السادسة، وإلى القارئ الكريم نص ما نشر عن القصة:
«كشفت ندوة دينية عن أسرار جديدة في عالم النخل، تبين أن النخلة خلقها اللَّه عز وجل من بقية طينة آدم عليه السلام، وقال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكرموا عماتكم النخل، وإنما سماها عماتنا لأنها خلقت من فضلة طينة آدم». ثم أوضح الداعية أن النخلة هي «الإنسان» لأنها خلقت من فضلة طينة آدم عليه السلام أو أنها تشبه الإنسان من حيث استقامة قدها، وطولها، وامتياز ذكرها عن أنثاها، واختصاصها باللقاح وكذلك لو قطع رأسها لهلكت، ولطلعها رائحة الحيوان المنوي، ولها غلاف كالمشيمة التي يكون الولد فيها، والجمار الذي على رأسها لو أصابه آفة هلكت النخل مثل مخ الإنسان تمامًا، ولو قطع منها غصن لا يرجع بدله كعضو الإنسان تمامًا...». اهـ.
قلت: ولقد استمرت الجريدة في نقل كلام الشيخ في الندوة الدينية والتي اعتبرته كشفًا علميًا من أسرار جديدة في عالم النخل بناءً على قصة نسب النخلة لآدم عليه السلام.
وإلى القارئ الكريم تخريج وتحقيق قصة خلق النخلة ونسبها لآدم عليه السلام:
أولاً: القصة
من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
1- رُوي عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكرموا عمتكم النخلة فإنها خُلقت من فضلة طينة أبيكم آدم، وليس من الشجر شجرة تلقح غيرها، وليس من الشجر شجرة أكرم على اللَّه من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران، فأطعموا نساءكم الوُلَّد الرُّطب، فإن لم يكن الرطب فالتمر».
2- التخريج:
أخرج حديث قصة خلق النخلة أبو يعلى في «مسنده» (1/353) (ح455)، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» (4/256- ت1853)، وابن عدي في «الكامل في ضعفاء الرجال» (6/431)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (1/184)، وأبو نعيم في «الحلية» (6/123) كلهم من طريق مسرور بن سعيد التميمي عن الأوزاعي، عن عروة بن رويم عن علي بن أبي طالب مرفوعًا.
3- التحقيق:
أ- هذا الطريق الذي جاءت به قصة خلق النخلة طريق غريب حيث قال أبو نعيم في «الحلية» (6/23): «غريب من حديث الأوزاعي عن عروة تفرد به مسرور بن سعيد».
ب- وقال العقيلي في «الضعفاء الكبير» (4/256/1853): «مسرور بن سعيد عن الأوزاعي، حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به».
جـ- قال ابن عدي في «الكامل في ضعفاء الرجال» (6/431): «مسرور بن سعيد التميمي منكر الحديث». اهـ.
ثم أخرج حديث القصة ثم قال معقبًا: «وهذا حديث عن الأوزاعي منكر، وعروة بن رويم عن علي ليس بالمتصل ومسرور بن سعيد غير معروف لم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث». اهـ.
قلت: هكذا بين الإمام الحافظ أبو أحمد عبد اللَّه بن عدي علل الحديث من النكارة والانقطاع والجهالة والتي بها تصبح قصة خلق النخلة ونسبها واهية.
د- قال الإمام الحافظ ابن حبان في كتابه «المجروحين» (3/44): «مسرور بن سعيد التميمي: يروي عن الأوزاعي المناكير التي لا يجوز الاحتجاج بمن يرويها». اهـ.
هـ- قال الإمام ابن الجوزي في «الموضوعات» (1/184): «هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحديث على تفرد به مسرور، قال ابن عدي غير معروف وهو منكر الحديث»، ثم نقل قول ابن حبان وأقره.
وإلى القارئ الكريم الطريق الثاني للقصة:
ثانيًا: قصة خلق النخلة من حديث ابن عمر:
1- رُوِيَ عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحسنوا إلى عمتكم النخلة فإن اللَّه خلق آدم ففضل من طينته فخلق منها النخلة».
2- التخريج:
قال ابن عدي في «الكامل» (2/156) (23/348): حدثنا جعفر بن أحمد بن علي بن بيان، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره.
وأخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (1/184) من طريق ابن عدي.
3- التحقيق:
علة حديث ابن عمر في خلق النخلة جعفر بن أحمد بن علي بن بيان بن زيد بن سيابة قال الإمام ابن عدي في «الكامل» (2/156): «حدثنا جعفر بن أحمد أبو الفضل الغافقي مصري يعرف بابن أبي العلاء عن أبي صالح كاتب الليث وغيره بأحاديث موضوعة، وكنا نتهمه بوضعها بل نتيقن في ذلك». اهـ.
قلت: ثم أخرج له حديثين أحدهما حديث قصة خلق النخلة ونسبها.
ثم قال: «هذان الحديثان بإسناديهما موضوعان ولا شك أن جعفرًا وضعهما». اهـ.
ثم ختم ترجمته بقوله: «وعامة أحاديثه موضوعة وكان قليل الحياء في دعاويه على قوم لعله لم يلحقهم ووضع مثل هذه الأحاديث». اهـ.
وأقر هذا الحافظ ابن حجر في «اللسان» (2/137) (96/1963)، ونقل عن أبي سعيد النقاش أن جعفرًا هذا: «حدث بموضوعات».
وقال الدارقطني: «جعفر لا يساوي شيئًا». اهـ.
وبهذا التحقيق لقصة خلق النخلة من حديث ابن عمر تبين أن الحديث موضوع وهو الكذب المختلق المصنوع المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
فهذا الطريق لا يصلح للمتابعات ولا الشواهد، بل يزيد القصة وهنًا على وهن كما هو مقرر عند أهل الفن.
وإلى القارئ الكريم الطريق الثالث للقصة:
ثالثًا: قصة خلق النخلة من حديث أبي سعيد الخدري:
أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» كما في «اللآلئ» (1/156) من حديث أبي سعيد الخدري قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مِمَّ خلقت النخلة ؟ قال: «خلقت النخلة والرمان والعنب من فضل طينة آدم عليه السلام». ولم يذكر السيوطي سنده.
فقال المعلمي اليماني في تحقيقه لكتاب «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» (ص490): «لم يسق في «اللآلئ» سنده ولن يكون إلا ساقطًا».
قلت: «وما قاله المعلمي اليماني هو الحق، حيث أكده الشيخ الألباني في «الضعيفة» (1/282) (ح262) فساق سنده عن ابن عساكر في «تاريخه» (2/309/2) عن الحاكم بن عبد اللَّه الكلبي أبي سالم من أهل قزوين، عن يحيى بن سعيد البحراني من أهل غطيف، عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مم خلقت النخلة ؟ فذكره، ثم قال: وهذا إسناد ضعيف جدًا وأبو هارون العبدي اسمه عمارة بن جوين وهو متروك ومنهم من كذبه كما في «التقريب». اهـ.
أ- قلت: وفي «الميزان» (3/173/6018) عمارة بن جوين كذبه حماد بن زيد وقال شعبة: «لأن أقدَّم فتضرب عنقي أحبّ إليّ من أن أحدث عن أبي هارون».
ب- وقال الجوزجاني: أبو هارون كذاب مفتر.
جـ- قال النسائي في «الضعفاء والمتروكين» (ت/476): «عمارة بن جوين أبو هارون العبدي متروك الحديث بصري».
قلت: وهذا المصطلح عند النسائي له مدلوله حيث قال الحافظ في «شرح النخبة» (ص69): «ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه».
د- قال ابن حبان في «المجروحين» (2/177): «عمارة بن جوين أبو هارون العبدي كان رافضيًا يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب».
قلت: وحاولت أن أذكر طرق الحديث مبينًا درجة ضعفها حتى لا يُقال: إن الحديث الضعيف إذا جاء من عدة طرق قوى بعضها بعضًا، ولا يدرى أن هذا ليس على إطلاقه كما هو مبين من قول الحافظ ابن كثير في «اختصار علوم الحديث» (ص16).
قال الشيخ أبو عمرو: «لا يلزم من دور الحديث من طرق متعددة أن يكون حسنًا لأن الضعيف يتفاوت فمنه ما لا يزول بالمتابعات يعني لا يؤثر كونه تابعًا أو متبوعًا كرواية الكذابين والمتروكين».
قلت: وهذه القاعدة الحديثية تنطبق على حديث قصة خلق النخلة ونسبها لآدم فطرقها كما بينا آنفًا لا تخلو من وضاع أو متروك أو كذاب.
وكم لهذه الأحاديث الموضوعة والقصص الواهية من الأثر السيئ حتى اعتبرتها الصحف أنها كشف جديد في عالم النخل لثقتهم بالشيخ ومكانته الإدارية، حيث أخذ الشيخ يربط بين النخلة والإنسان من النواحي الخلقية والشكلية.
ومثل هذه الأحاديث المكذوبة والتي بها قصص الخلق ولا يعرف الكثير درجتها ويروجونها في الندوات وتنشرها الصحف تفتح بابًا للطعن في الإسلام، حيث أثبتت البحوث العلمية الحديثة بحقائق علمية ترى رأي العين أن الله أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
فكل خلية تحت المجاهر المكبرة تشهد بأن لكل مخلوق خلقه من كرومسومات (الأمشاج) وعليها جينات، ولا يشاركها فيها كائن آخر، فلكل كائن جيناته التي أعطاها الله سبحانه: http://www.altawhed.com/Images/BRAKET_R.GIFربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدىhttp://www.altawhed.com/Images/BRAKET_L.GIF [طه: 50]، http://www.altawhed.com/Images/BRAKET_R.GIFسبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمونhttp://www.altawhed.com/Images/BRAKET_L.GIF [يس: 36]، http://www.altawhed.com/Images/BRAKET_R.GIFومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرونhttp://www.altawhed.com/Images/BRAKET_L.GIF [الذاريات: 49].
فعلوم الكشف عن سنن اللَّه الكونية تشهد بحقائقها العلمية لهذه الآيات القرآنية ولا يمكن لحقيقة علمية من سنن اللَّه الكونية في آياته في الآفاق أن تصطدم بآية قرآنية لقوله تعالى: http://www.altawhed.com/Images/BRAKET_R.GIFسنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيدhttp://www.altawhed.com/Images/BRAKET_L.GIF [فصلت: 53].
فالخلق خلقه والأمر أمره، قال تعالى: http://www.altawhed.com/Images/BRAKET_R.GIFألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمينhttp://www.altawhed.com/Images/BRAKET_L.GIF [الأعراف:54].
منشأ التعارض وأثره السيئ
ينشأ المتعارض من أمرين:
الأول: ينشأ التعارض من أن يعتقد الإنسان أن الأمر حقيقة دينية، وهو ليس بحقيقة دينية فيصطدم مع الحقائق العلمية الكونية من سنن اللَّه الكونية والتي يراها الإنسان في الآفاق شاهدة الشمس في ضحاها كالاعتقاد بأن النخلة عمة الإنسان لأنها خلقت عن بقية طينة آدم وأثبتنا آنفًا أنها قصة مكذوبة منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
فتصطدم مع الحقيقة العلمية في سنن اللَّه الكونية في خلقه والتي أعطى اللَّه فيها خلايا النخل خلقها، وأعطى سبحانه خلايا الإنسان خلقها من كرومسومات (الأمشاج) وما عليها من جينات، كما هو مقرر عند علماء الخلية وما بها من آيات تشهد بتوحيد الربوبية ولازمها توحيد الألوهية.
الثاني: ينشأ التعارض من أن يعتقد الإنسان أن الأمر حقيقة علمية فيجزم بنسبة غير واقعة كتعلق دارون بالمظاهر الخارجية للقرد وربط بين هذه المظاهر وبنى بهواه نظريته الخاطئة في التطور لأن اللَّه لم يشأ يومها أن توجد المجاهر وعلم الخلية التي يرى آيات اللَّه في خلايا الكائنات فبنى نظريته على جهل فعارض خلق اللَّه لآدم عليه السلام في الآيات القرآنية.
الأثر السيئ:
اعتقد الشيخ محمد عبده عفا اللَّه عنا وعنه في العلاقة والتطورية بين القرد والإنسان وتوهم أن نظرية دروان في التطور حقيقة علمية فقال: «إن قصة آدم في القرآن تمثيل».
ولقد وقف شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود رحمه اللَّه في قاعة الإمام محمد عبده في المحاضرة التي ألقاها في 27 مارس 1962 وحضرها عمداء الكليات بمصر وغيرها وعميد كلية الزيتونة وكان مما قاله في هذه المحاضرة: «إننا جميعًا نُجلُّ الشيخ محمد عبده ونحترمه وندين له بكثير من تخليص الدين من الخرافات والأساطير ولكن حين نقرأ له تفسير قصة آدم فنجده يقول: بأنها تمثيل. نتساءل: لماذا اتجه الشيخ محمد عبده هذا الاتجاه ؟ لماذا اتجه في قصة آدم إلى أنها تمثيل ؟ حينما نتساءل حقيقة عن السر العميق - في الشعور أو اللاشعور- نجد أن الشيخ محمد عبده رأى أن فكرة التطور منتشرة في جميع أوربا، بل والعالم وهي - فيما يرى - تتعارض مع التعاليم التي تنبئ أن آدم هو أول البشر، وهو الذي خلقه اللَّه وسواه وخاطب الملائكة في شأنه وأمرهم أن يسجدوا له رأى الشيخ محمد عبده أن كل ذلك لا يتلاءم كثيرًا مع فكرة التطور المزعومة فماذا صنع ؟
فقرر بأنها قصة، وأنها تمثيل... وأصبحت فكرة التطور مسيطرة على الكثيرين فانقادوا لها وأدخلوها في المحيط الديني، فأفسدوا كثيرًا من القضايا.
ونعود فنترحم على الشيخ محمد عبده، وإذا كنا ننتقده ونحن نحاضر في قاعته فذلك أننا نعلم أنه رحمه اللَّه كان من سعة الصدر ومن سعة الأفق بحيث لا يضيق بنقد، ونعتقد أنه لا يضيق بنقدنا ولا يقلل هذا من شأنه. اهـ.
قلت: قوله: «وأصبحت فكرة التطور مسيطرة على الكثيرين فانقادوا لها وأدخلوها في المحيط الديني، فأفسدوا كثيرًا من القضايا».
قلت: نعم تحت ما يسمى بتطوير الخطاب الديني وتطوير الأذان فمن لها اليوم في قاعة الإمام، ليسمع الآذان، والله المستعان.
هذا ما وفقني اللَّه إليه وهو وحده من وراء القصد.